خدمـــات الهيئــة

أنسنة المدن.. مابين تراث الماضي وحداثة الحاضر

أنسنة المدن.. مابين تراث الماضي وحداثة الحاضر

لطالما كانت الصورة النمطية للمدينة المنورة تشهد تلاحمًا وتماسكًا مجتمعيًا كبيرًا بالرغم من تنوّع البناء السكّاني فيها، بتصميمها الذي يُقسّمها إلى أحواشٍ وحاراتٍ لكلٍّ منها ما يميّز أهلها من صفات ظاهريّة. هذه العوامل وطبيعة عمل النّاس أدوا إلى خلق اتّصالٍ وتناغمٍ كبيرين ما بين السكّان وبيئتهم المحيطة؛ أو ما يُسمّى بـ(الشارع) و(الحارة). وأبرز ما يميّز هذا المجتمع كانت بساطته الناتجة من تنوّع الأعراق والمناطق التي يأتي منها سُكّان المدينة، ويُعزى أيضًا لتمسّكهم بأعمال الزراعة والصناعات اليدوية وعدم انخراطهم في التجارة. توسّعت وتطوّرت المدينة المنورة بعد ذلك عدّة تطوّرات، جميعها حافظ على النسيج العمراني المتماسك رغم التغيّرات الكبيرة التي طرأت على أسلوب حياة السكّان، إلى أن بدأت المدينة بمواجهة عجزٍ في الإسكان؛ فشرعت البلديّات في إنشاء المخططات السكنية، بعدها تغيّر النسيج العمراني للمجتمع بالكامل وفقد الإنسان اتصاله بالمكان وانتماءه إلى الشارع و (الحارة)؛ وبذلك اختفت الفراغات العمرانية التي تُعدّ محورًا للتواصل المجتمعي. واليوم، أدرك ذوو الشأن تأثير التغيّر السريع الذي طال المدينة دون مراعاة تركيبها المجتمعي الحسّاس، فقاموا بإطلاق مبادرات عمرانية تهدف إلى إنعاش الهويّة المجتمعية وإعادة خلق التواصل. أهم هذه المبادرات: مشروع أنسنة المدينة المنورة، والذي سيتناوله هذا التقرير بشكلٍ مفصّل. أولًا... عبّر سموّ الأمير فيصل بن سلمان أمير منطقة المدينة المنورة: "إنّ المحافظة على الهوية العمرانية والتاريخية للمدينة المنورة وأنسنتها لا يتعارض مع كونها مدينة حديثة بمتطلبات عصرية، وندعو إلى تكاتف الجهود والتنسيق المستمر بين الجهات المعنية بالمشروعات التطويرية والتنموية، ونشدد على أن يضعوا نصب أعينهم ما تزخر به المدينة من إرث حضاري وعمراني ضارب في التاريخ الإسلامي". وانطلاقًا من اهتمام سموّه؛ أقر الأمير باطلاق برنامج أنسنة المدينة المنورة، ووُقّعت ضمنه اتفاقية تعاون ورعاية طرفاها هيئة تطوير المدينة المنورة وشركة موبايلي (اتحاد الاتصالات) مدتها خمس سنوات حسب ما جاء في صحيفة (البلاد)، إلى جانب الأمانة والبلديات التي لها أدوار فعّالة في تنظيم وتشغيل المناطق المستهدفة. حيث تهدف المبادرة إلى تطوير المناطق العشوائية وتنسيق بيئاتها العمرانية عن طريق تحسينها وتصميمها بما يحوّلها إلى متنفسّات لأهالي المدينة وروادها. ومن ضمن أهداف البرنامج أيضًا ، تعزيز الجانب الحيوي لهذه المناطق بإبراز عناصرها الجمالية والحفاظ على الهوية العمرانية، إلى جانب تسهيل التنقل للمشاة وتعزيز الوصول إلى مناطق الجذب والأهمية كالمسجد النبوي الشريف. وتعتبر أهم المبادرات التي تعزّز البُعد الإنساني وجودة الحياة ضمن هذه المناطق سواءً لساكنيها أو زوارها. المناطق المستهدفة تُساعد المبادرة في تطوير عدّة مناطق مهمّة تم اختيارها بناءًا على أهميتها الشمولية والتي لها تأثيرات إيجابية تنعكس على الجوانب المجتمعية، والاقتصادية، والجمالية. أمّا بيئيًا فلا يوجد حتى الآن جهودًا ملموسةً على أرض الواقع سوى إزالة المخلّفات ومكبّات النفايات العشوائية. فكان التطوير المذكور من نصيب المناطق التالية: طريق قباء - منفذ رئيسي إلى الحرم النبوي الشريف؛ - سوق تجاري قديم ونشط؛ - منازل قديمة مطلّة على المحور الرئيس للحي تمثّل فرصًا استثماريةً ثمينة. حي سيد الشهداء - يطل ويحتوي على معالم تاريخية نبويّة وإسلامية ثمينة؛ - كانت ومازالت وجهة سياحية أساسية للزوار والحجيج؛ - نشاط تجاري عشوائي يفتقر إلى التنظيم؛ - الوقوف على مقبرة سيّد الشهداء وأجزاء من وادي العقيق الذي له أهمية أكثر من تاريخية للمنطقة وأهلها. الحي المطور في حمراء الأسد - حي عشوائي ولا يعد من الأحياء القديمة والأثرية؛ - فرصة لبناء حي نموذجي يمثّل مرجعًا حضاريًا لباقي أحياء المدينة. علاقة الإنسان بالمكان إن العلاقة ما بين الإنسان والمكان لا تقتصر أبدًا على خلق الاتّصال فيما بينهما وحدهما، بل الأمر يتطلّب ارتباطًا وكلّما كان الارتباط وثيقًا كلّما ازداد الانتماء؛ وبالتالي يتمسّك الإنسان بمكانه كجزء حقيقي من هويته ؛ لذلك قامت هيئة تطوير المدينة بعمل محاضرات تثقيفية ومجانيّة، يقدّمها نخبة من المتخصصين في العمارة والتخطيط العمراني وتنسيق المواقع (Landscape architecture)، جميعها تتناول فكرة خلق مكان مرتبطٍ بمجتمعه. وكما ذكرنا أن الإنسان في المدينة المنورة قد فقد الكثير من الروابط بسبب مراحل التطوير المختلفة سواء من العشوائيات أو تسارع المخططات السكنية التي غيّرت الطابع العمراني والمكاني للمجتمع، فقد أكّدت المبادرة على إعادة إنعاش هذه العلاقة كما أشار الباحث عبدالله كابر بأنّ مفهوم الأنسنة في التراث العمراني يطال القيم الروحية متجاوزًا القيم الماديّة، بخلقه لعلاقة تفاعل وتقدير ما بين الإنسان والتطور العمراني وهويته. يدعم هذا النوع من التطوير كون المدينة واحدة من حاضنات التراث حيث يشعر من يسكنها ومن يزورها بأهمية وقيمة تاريخية ذات أصالة وتفرّد يميّزها عن باقي الوجهات التاريخية الأخرى. إن التصاميم المعدّة لخدمة حركة المركبات والسيارات من العوامل التي تُهدّد علاقة الإنسان بالمكان، حيث يصعُب على المشاة إيجاد مساحات وفراغات مأهولة للمشي بها، فباستطاعة الإنسان استشعار ما إذا كان المكان مؤهلًا لاحتياجاته أم لاحتياجات المركبات. وهنا نشير إلى أهمية التنظيم حركة السير وتشريعات المرور، حيث إننا نخسر الكثير من الروابط في حال إهمالنا للإنسان لمصلحة المركبات، فدائمًا ما ستتطلّب المركبات حيّزًا أكبر للوقوف واتساع المسارات ناهيك عن الإزعاج والتلوث المصاحب لحركتها في المنطقة. لذلك يوصى بأن يتم التضييق على والتحكم بحركة المركبات في المناطق المستهدفة؛ وهذا ما حدث بالفعل في مشروع طريق قباء حيث أُغلق جزء من الطريق وتم تسخيره بشكلٍ كاملٍ للمشاة والفراغات العمرانية. أهل المدينة وعلاقتهم بالمكان يُضيف المعمار عبدالرحمن الجهني-?? عامًا-:"إن هذه المواقع هي في حقيقتها اجتماعية الطابع، ولطالما تطلّبت الاهتمام بها تحت معايير سلامة وجمال تليق بالمجتمع المحيط، لكن ما اعتدنا عليه غير ذلك؛ نتيجة الهدم وأعمال البناء الغير منظمة، صحيح أننا نسارع لمواكبة التطور والبناء الحديث، إلا أن هذه المواقع تمتلك قيمة عالية لمجتمع المدينة المنورة بحيث لا نستطيع بتاتًا تعويضها بالبناء الحديث. وكسكّان للمدينة فقد عشنا تجربة المخططات السكنية وشعرنا بالفصل الذي طرأ بين الجيران وأهل الحي، والذي يعدّ قيمةً وحق من حقوق أهل المدينة أن تُلبّى رغبتهم بالتمسك بنسيج اجتماعي فاخر". يُؤكّد على ذلك د. محمود كسناوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة أم القرى:" لا يُمثّل برنامج أنسنة الأحياء مجموعة من البرامج التطويرية فحسب، بل يمتد ذلك إلى تحسين الأثر الاجتماعي على سكان تلك الأحياء." الجانب الجمالي للمشروع إن العشوائية التي طالت النسيج العمراني في المدينة المنورة خلّفت وراءها تشوّهًا بصرِيًا وآثارًا سلبية أخرى لا تهدد فقط جمالية المكان، وإنما تطال أمانه وأهليّته. إثر ذلك؛ كان من المهم أن يُعاد إحياء الجوانب التي تشكّل تلوثًا بصريًا بطابع فنيٍّ جديد يعزّز الذوق العام، ويطور العلاقة بين الإنسان والمادة (الحارة). يُعدّ طابع واجهات المباني التي تقع ضمن هذا المشروع معبّرًا عن ثقافة المدينة المنورة التراثية المتسّمة بالشعبية. وتشتمل المناطق المطوّرة على التالي: الشبابيك تُثري الجانب البصري بتناغمها مع الكتلة العمرانية المجاورة القوس المخموس رمز إسلامي تشتهر به عمارة المدينة المنورة قديمًا والمسجد النبوي الشريف خصوصًا العرائس المعمارية حجب الرؤية عن أسطح المنازل للخصوصية وكسر الكُتلة المربعة التي يتخّذها شكل المباني الرصف بالحجر تم استخدام الحجر لرصف المساحات المجاورة للمباني دعمًا للهوية البصرية وتوحيد الكُتلة، إلى جانب الدلالة على أولوية المشاة في استخدام المنطقة ساتر المدخل صُمّم الساتر بطريقة تناسب العلاقة بين الداخل والخارج لتخدم مستوى الخصوصيّة المطلوب من السكّان الخط العربي نقش كلمات وأسماء لشخصيّات برزت في العلوم والتاريخ الإسلامي، نُقشت على الساتر وأغطية المكيفات الألوان استخدام ألوان تدعم التناسق بين المعاصرة والعراقة جميع هذه العوامل قد نجحت بالفعل في خلق كتلة بصرية مترابطة جدًا من حيث التنسيق والتباين والربط ما بين الحداثة والعراقة، متيحة للإنسان فرصة خلق ارتباطات وثيقة مع المكان. وعبّر عن هذا المخطّط العمراني عبدالكريم -?? عامًا-: "شهدت طوال حياتي في المدينة المنورة بناء عدّة منازل لأفراد العائلة، إلّا أنّ الطابع الجمالي في الشكل الخارجي للمنازل غير قابل للمُقارنة بما كنّا نجده من لمسات جمالية بسيطة في بيت العائلة القديم جدًّا؛ فهذا المنزل مُستخلصٌ من البيئة المحليّة يظهر ككُتلة مُستحدثة من الجبل المجاور له. أما بعد ذلك فجميع المنازل الجديدة كانت تحمل تصاميم رومانية وقوطيّة مع أعمدة ضخمة تُشبه الكثير من المنازل في الحيّ، لكنّها لا تُشبهنا ولا يتقاطع لها طريق مع هويّتنا." إن هذا النوع من المبادرات يُعدّ من المؤشرات الحضارية التي تعكس صورةً تحترم التراث وتستلهم منه دون الحد من الحداثة، والتي بدورها تعزز هوية المدينة وسكّانها. أيضًا ينعكس كل ذلك إيجابًا على أسلوب حياتهم، حيث غُيّب سكّان هذه الأحياء عن مظاهر الجمال والارتباط الحضري دون وجه حق. أما الآن فتُعد هذه المواقع وجهات نشطة لسكّان المدينة وزوارها سواء من مدن المملكة الأخرى أو من الدول الأخرى خصوصًا الإسلامية منها. ومن الجميل ارتياد مثل هذه المواقع وإقامة الفعاليات المجتمعية فيها لما لذلك من أثر على التلاحم والترابط بين أطراف المجتمع، وبين الإنسان والمكان، وإمكانية نقل التراث لأجيال لاحقة بشكل يسمح لهم بالشعور بالارتباط مع المكان.

عليا عبدالقادر علام- صحيفة عيون المدينة     1440/07/04